سميح عاطف الزين
189
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
محمد الشاب كانت عوامل التغيير قد بدأت تترسّخ في نفس محمد وهو ينتقل من مرحلة الفتوة إلى مرحلة الشباب . وكانت دوافع التغيير قوية وعديدة لديه ، أقلها هذا السخط على عبادة الأوثان ، وهذه الحسرة على ضلال الناس ، وضياعهم في حمأة الفساد الذي عمّ حياتهم ، وطغى على أنماط العيش عندهم . . . وكان دأبه التأمل والتفكر ، ينتظر هبوط الليل ليهجر فراشه ، ويخرج إلى الفلاة ، حيث يرتحل بعقله وحواسه إلى العوالم ، علّها تهديه إلى الحقيقة التي ينشد . وهنالك ، وغير بعيد عن الكعبة ، وقريبا من جبل عرفات ، كان يختلي محمد بنفسه ، وهو وحيد تحت قبة الكون الواسعة ، يمضي ساعات طويلة في جوف الليل البهيم ، أو في ضوء القمر يتأمل في صفحات هذا الكون ، وما ينطوي عليه من أبعاد وأسرار ، ويتفكر في شأن هذه الخلائق ودقة صنعها ، وانتظام سيرها ، ويدقق في شؤون الناس ، فيراهم بعيدين عن التبصّر بعظيم خلقهم ، لا يحفلون بما حولهم من دلائل وبيّنات على قدرة الخالق العظيم ، المدبر الحكيم ، الذي خلق هذا الكون ، وخلق هذه الحياة ، وخلق هذا الإنسان . . . . فكل شيء في هذا الوجود يحتاج إلى الخالق ، وكل شيء في هذا الوجود يحتاج إلى قدير يرعى شؤونه ، ويدبّر أموره ، وكل شيء في هذا الوجود يحتاج إلى حكيم يهديه ، وكل شيء في هذا الوجود يحتاج إلى قوي عزيز مهيمن ، يلجأ الخلق إليه في سرّائهم وضرّائهم . إذن فما هي تلك الأباطيل التي تقوم عليها حياة الناس في مكة ، وفي جزيرة العرب ، وهم يتخذون الأوثان والأصنام آلهة ؟ وما هي تلك